الأحد، 14 يوليو، 2013

مقتطف من روايتي ( المرماح ) قيد الكتابة




في تلك الحجرة الضيقة الدافئة حيث عبق الخشب القديم يمنحها روحانية خاصة لا تقل عن التي يمنحها صوت المنشد من المسجل العتيق و هو يغرد:

عيني لغير جمالكم لا تنظر  ....  و سواكم في خاطري لا يخطر

صبرت قلبي عنكم فأجابني .... لا صبر لي لا صبر لي لا أصبر

بينما أرضية تلك الغرفة لا تقل جمالا او روحانية حيث تناثر عليها القش الذهبي كأنها عش كبير لطائر حالم
و في منتصفها منضدة على تلك المنضدة هناك سراج كأنه اباجورة مقلوبة وضعت على فتحتها قطعة من الكرتون السميك مثقوبة في منتصفها ، مقعدان يجلس على أحدهما صبي صغير يراقب بانتباه ما يفعله الجالس على المقعد الآخر الذي هو الحاج (عبد الله ) بجواره قفصا كبيرا له فتحتة مربعة صغيرة في أعلاه و قد تم تغطية ذلك القفص بالخيش القوي فلا يتضح ما بداخله ، إلا حينما يضع الحاج يده فيخرج منه بعض القش و في منتصفه بيضة مغطاة بمخلفات الدجاج  .
أمسك البيضة برفق و قلبها بين أصابعه قبل أن يضعها فوق الجزء المثقوب من الكرتون  و وقف ليلحظ البيضة التي أصبحت بفعل الضوء كأنها  جمرة من نار 
و اتجه بحديثه نحو الصبي :
-        انظر جيدا يا علي ، هذه البيضة مخصبة تحمل جنينا لذا هي غير صالحة للبيع فلنستبعدها .
راقب علي بصمت الجمرة النارية و لاحظ الفارق بين البيضة المخصبة و البيضة الصالحة لكن هناك خاطر يحمل استفسارا بداخله :
-        ألأنها مخصبة لا تصلح ؟
-        نعم فإن الدماء بداخلها ، و الدم نجس  و محرم علينا أكله
ردد الصبي دون وعي :
-        الدم نجس ، و الجنين بداخل البيضة يفسدها
-        نعم يا بني
التعب كان يحل بالحاج (عبد الله ) و ما زال  القفص يحمل الكثير من البيض لذا طلب من الصبي أن يصنع له  كوبا من الشاي
قام الصبي من فوره و اتجه نحو الموقد في طرف الغرفة ليصنع الشاي  إلا أن الخواطر كانت تستعمر كل أفكاره فارتعشت يداه ليسقط إناء السكر من بين أنامله ليصنع دويا  ، فيلتفت الحاج عبد الله نحوه ليشاهد حبيبات السكر و هي تختلط بذرات التراب في الأرض و القش الذهبي يحيط يها من كل اتجاه ، حمله ذلك المشهد بعيدا إلى الوراء حين اراد أن يجعل ابنه عامر يمتهن نفس مهنته و أجلسه معه  يعلمه  ، لكن اصابع عامر كانت قاسية لا تجيد التعامل مع البيض برقة، كسر الكثير من البيض حين كان يقلبه بين أصابعه بل بادر بسؤال أبيه حينئذ :
-        أبتِ إنك تكد في جمع البيض من البيوت و القرى و كل من تعرف أنه يربي الدجاج  أليس كذلك ؟
-        بلى
-        و إنك تدفع ثمن كل ذلك البيض و بعدئذ تقوم ببيعه إلى المتاجر ، أليس كذلك ؟
-        بلى
-        إذن  لماذا تقوم بفرزه و تخرج التالف منه مادمت أنك تتحمل الخسارة وحدك ؟
كان لوقع السؤال دهشة ، هو تعلم تلك المهنة عن أبيه الذي تعلمها عن جده و لم يسأل نفسه ذلك السؤال حينئذ و لم يفكر طيلة حياته في الخسارة فقط كان الربح القليل المبارك يغنيه لكن  أجاب عامر :
-        لو أن فقيرا لا يملك من المال سوى أن يشتري بيضة و كسرة  خبز و  وجدها تالفة بعد معاناته فلماذا يتحمل الخسارة وحده ؟
-        أنتحملها نحن بدلا منه ؟
-        نعم
-        أبي إنها الحياة لا يخسر فيها إلا المغفل
شعر الأب بقسوة الحروف و راقب من ابنه قسوة اليد فقال له :
-        يا بني ابحث لك عن حرفة أخرى أنت لا تصلح لحرفتنا ، و لكن ما دمت تحدثت عن الحياة فاعلم أن الحياة كالبيضة  إن قبضت عليها أكثر تكسرت لتلوث يديك بدمائها المخصبة أو صفارها النتن
لم يبال عامر بما قاله والده لكنه بالفعل  وجد صنعته في إصهار الحديد و تشكيله كيفما  يريد  ، سافر الحاج بذكرياته ليوم زيارته لابنه في حانوته يراه يعمل قائلا لنفسه :
-        حرقة القلوب أشد قسوة و أعظم عذابا
قال الجملة الأخيرة بصوت عال بينما خانته دمعة من عينيه وجدت طريقها نحو فمه ليشعر بمرارتها
فسمعه علي  فقال و هو قادم بصينية الشاي :
-        أتحدثني يا عماه
-        بوركت يا بني كلا
-        بل سمعتك تتحدث عن حرقة القلوب فأخبرني يا عماه عن البيضة التالفة المخصبة التي تحمل بداخلها جنينا ، هل هذا يحرق قلب ذويها ؟
كانت هذه أول مرة ينتبه فيها الحاج لذلك ، لذا صمت لم يعرف إجابة وجد نفسه أمام جيلا يحمل من الأسئلة التي لم تؤرقهم في صباهم أبدا ، وجد جيلا قاسيا حد الحديد رقيقا حد الحرير ، بينما كان هو في صباه يتعلم بلا سؤال  ، و مع رشفات الشاي الساخنة كانت تدور بداخله  أفكار  اكثر سخونة لكن ذلك لم يصل به إلى إجابة سؤال الصبي لذا قرر التهرب  قائلا :

-        إن الوقت قد حان لرحيلك يا بني ، فلتبلغ والدك السلام و تشكره بالنيابة عني أنه منحني إياك 

هناك تعليقان (2):

  1. إن هذا المقتطف يحمل عمقا فكريا، وروحيا، خاصة وأن الطابع الصوفي غالب عليه، ابتداءً بالمسجل الذي تصدح منه أبيات شعرية مغناة ذات بعد صوفي، وكذلك تفكير الحاج عبد الله الذي أشرب هذه التربية الايمانية والتي منحته الرضا والقناعة...
    سأنتظر قراءة الرواية إن شاء الله، موفقك يا صديقي

    ردحذف
  2. بسيطه تلمس الروح....لحظه تايهه من الزمن لمستها فخطفتها فاتيت بها لنا ورغم مشقه الطريق وبعده وصلتنا طازجه تحمل رائحه الخشب ولون القش وشكل المكان وعبق الزمان فشكرا لك

    ردحذف